خليل الصفدي

284

أعيان العصر وأعوان النصر

كان فقيها حنفيا ، شاعرا ذكيا ، يقع بقوة ذهنه على المعنى إذا كان خفيّا ، ويرى غوامض المواقيت ، وكيف لا وقد كان للشمس سميّا ، وله مشاركة في العربية ، ومداخلة في النكت الأدبية ، ونثره غير طائل ، وخطه ليس بهائل . يعرف الرياضي جيدا - أعني فيما يتعلق بالحساب - ، وآلات المواقيت من الربع والأصطرلاب ، ويضع الآلات بيده ، ولكن وضعا عفشا ، ويكتب رسومها رسما وحشا ، وكان يضع من حيل بني موسى جملة ، ويحمل نفسه من تجارب أعمالها ما لا يطيق حمله ، قد أفنى عمره في ذلك ، وسلك طرائقها الموحشة وليله حالك ، إلا أنه كان في حل المترجم آية ، وذهنه في حله بلا فاصلة غاية ، وهو أول من كتب لي مترجما وحللته ، وهززت له حسامه وسللته . ولم يزل على حاله ، إلى أن ضاع من ابن الحافظ حساب عمره ، وأذهل ذويه مبهم أمره ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بطرابلس فيما أظن سنة أربع وثلاثين وسبعمائة في تاسع عشر المحرم ، وكان أولا بصفد ناظر الجيش ، فأقام بها زمانا ، ثم إنه نقل إلى نظر جيش طرابلس . وكان قد سمع من ابن شيبان « ثلاثيات المسند » ، ومن ابن البخاري « كتاب الترمذي » ، وسمع بمصر والإسكندرية وحدّث . ولما توجّه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب من صفد ، والأمير علم الدين الجاولي لحصار سلع ، عمل رسالة في ذلك نظما ونثرا ، وسمعتها من لفظه غير مرة ، ومما جاء فيها نظما : ( المتقارب ) دعت قلعة السلع من قد مضى * بلطف إلى حبّها القاتل وغرّتهم حين أبدت لهم * محيّا كبدر دجى كامل ولمّا استجابوا لها أعرضت * دلالا ، وقالت إلى قابل تفانى الرّجال على حبّها * وما يحصلون على طائل وقرأت عليه بصفد « رسالة الأصطرلاب » لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ، وأخبرني أنه قرأها على المصنف . وحكى لي أن القاضي بدر الدين ، حكى له : أن إنسانا من المغاربة جاء إليه ، وهو بمنزله دار الخطابة بالجامع الأموي ، وكان إذ ذاك قاضي القضاة وخطيبا ، وقال : يا سيدنا ، رأيت اليوم في الجامع إنسانا ، وفي كمّه آلة الزندقة ، فاستفهمت كلامه واستوضحته ، إلى أن ظهر لي أنه رآه ، ووصف لي يوما حل المترجم ، وحبّبه وزيّنه ، وقال لي : يعوزك أن